الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أعاني وسواساً في الطهارة وشكاً في أني حسدت نفسي والآخرين!

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أظنّ أنّني قد حسدتُ شخصًا، فكيف أطلب منه السماح؟ وهل يجب عليَّ أن أطلب منه ذلك؟ وكيف تكون التوبة من الحسد؟ وكيف أعرف إن كنتُ قد حسدتُه أو أصبتُه بالعين؟ مثلًا: إذا كان يحفظ عددًا من آيات القرآن الكريم ثم توقّف فجأة عن الحفظ، أو كان يواظب على الصلاة في المسجد ثم انقطع عنها انقطاعًا ليس نهائيًّا، فهل يُعدّ ذلك من أثر الحسد؟ وهل الحسد يؤثّر في الشخص أصلًا؟ ولو افترضنا أنّه أصيب بالعين، فهل يجب أن أسقيه من الماء، أم يكفي أن أطلب منه السماح؟ وقد طلبتُ السماح من أهله فسامحوني، لكنّي كنت أكرّر الطلب أكثر من مرّة وأعيد فتح الموضوع عليهم مرارًا.

أنا أعاني من الوسواس في الطهارة، وأشعر أنّ الوسواس بدأ يسيطر عليَّ في أمور عدّة؛ ففي بعض المواقف القديمة لا أعرف ما كانت نيّتي فيها: هل كانت خيرًا أم شرًّا أم أموراً مختلطة؟

أيضًا أظنّ أنّني قد حسدتُ نفسي، أو أصبتُ نفسي بالعين، فكيف أُعالج نفسي؟

أتمنّى أن أجد جوابًا سريعًا ونافعًا، لأنّ هذا الأمر يؤثّر في حياتي بدرجة كبيرة.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أهلًا بك في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله الكريم أن يطمئن قلبك، ويصرف عنك الوسواس، ويجعل صدرك سليمًا من الحسد والغل، وأن يرزقك راحةً في دينك ودنياك.

ودعنا نجيبك من خلال ما يلي:
1- الحسد هو تمني زوال النعمة عن الغير، أو كراهة بقائها عنده، أما مجرد الإعجاب أو المقارنة، أو حتى الشعور بضيق داخلي عابر، فليس حسدًا بالضرورة.

نعم الإعجاب قد يتحول إلى حسد إذا صاحبه تمني زوال النعمة أو ضيق ببقائها، لكن ليس كل إعجاب حسدًا، فالإعجاب في أصله أمر طبيعي، وقد يكون محمودًا إذا قاد إلى الاقتداء، أما الحسد فهو مرحلة أعمق من مجرد الإعجاب، وهو أن يضيق صدرك بالنعمة على غيرك، أو تتمنى زوالها عنه، ولو لم تقل ذلك بلسانك.

2- الفرق الدقيق الذي يهمك هو: هل كنت حين رأيت نعمته أو حفظه أو التزامه تتمنى أن يسلب ذلك منه، أم كنت فقط متأثرًا أو مقارنًا نفسك به؟ إن لم تتمنَّ زوال النعمة، فأنت لم تدخل في الحسد المحرّم، بل ربما دخلت في غبطة، وهي أن تتمنى مثل ما عنده دون أن تزول عنه، وهذه مشروعة.

3- أما تغير حاله بعد ذلك –كتوقفه عن الحفظ أو فتوره عن المسجد– فلا يجوز لك أن تجزم أنك السبب؛ لأن الناس تمر بموجات نفسية وروحية، وتتغير أحوالهم لأسباب داخلية كثيرة، وربط كل تغير بك هو نوع من تضخيم الذات الذي يغذيه الوسواس، لا دليل شرعي ولا واقعي عليه.

4- إذا خفت أن إعجابك تحول إلى شيء سلبي، فالعلاج بسيط: كلما أعجبك شيء عند أحد قل: "اللهم بارك له"، وادع له بزيادة الخير، فالدعاء بالبركة يطفئ أثر الحسد إن وُجد، ويطهر القلب إن خالطه شيء.

5- لا يجب عليك طلب السماح لمجرد الظن؛ لأن فتح هذا الباب قد يزرع في قلبه فكرة أنه أصيب بسببك، فيدخل هو في وسواس، والشرع لا يوجب الاعتذار عن خاطر داخلي لم يتحول إلى ظلم ظاهر أو أذى مقصود.

6- مسألة إعطائه ماء أمرٌ جيد لكن اجعلها في إطار عام، كأن تقترح عليه أن يأخذ ماء كل الأصحاب الذين يجمعهم وأنت منهم؛ فهذا يبعد عنك الظن السيئ، وفي نفس الوقت تكون قد أرضيت ضميرك.

7- تكرارك طلب السماح من الناس سابقًا، وإعادة فتح الموضوع أكثر من مرة؛ علامة واضحة أن لديك وسواسًا في النية والذنب، والوسواس يجعلك تشك في كل دافع قديم، وتسأل: هل كانت نيتي شرًا أم خيرًا؟ وهذا الباب لا ينتهي إن فتحته، فلابد من إغلاقه.

8- حسد النفس أيضًا من آثار الوسواس، فالنفس قد تتأثر بالخوف أو القلق أو الضغط، وليس لأنك أصبت نفسك بعين، فلا تدخل في هذه الدائرة.

10- التوبة من الحسد –إن وُجد– تكون بالاستغفار، والدعاء للناس بالخير، ومجاهدة النفس عند أول خاطر، ولا تحتاج طقوسًا متكررة ولا اعتذارات بلا نهاية؛ لأن الشريعة قائمة على رفع الحرج، لا على إغراق المؤمن نفسه في جلد الذات.

11- أهم خطوة لك الآن أن تعالج الوسواس نفسه؛ لأن ما تصفه من انتقال الشك من الطهارة إلى النية إلى الحسد هو نمط معروف في الوسواس القهري، وعلاجه يكون بتجاهل الفكرة وعدم مناقشتها طويلًا، ومع الوقت تضعف.

نسأل الله أن يرزقك قلبًا سليمًا، ويبعد عنك الوسواس، ويجعلك مباركًا أينما كنت، والله الموفق.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً